ابن كثير
57
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ما ينبغي لبشر آتاه اللّه الكتاب والحكمة والنبوة ، أن يقول للناس اعبدوني من دون اللّه ، أي مع اللّه ، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل ، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى ولهذا قال الحسن البصري : لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته ، قال : وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا ، يعني أهل الكتاب كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم ، كما قال اللّه تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] الآية ، وفي المسند والترمذي كما سيأتي أن عدي بن حاتم قال : يا رسول اللّه ما عبدوهم . قال « بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم » . فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين فإنهم إنما يأمرون بما يأمر اللّه به ، وبلغتهم إياه رسله الكرام ، وإنما ينهونهم عما نهاهم اللّه عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام ، فالرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، هم السفراء بين اللّه وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة ، فقاموا بذلك أتم القيام ، ونصحوا الخلق ، وبلغوهم الحق . وقوله : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أي ولكن يقول الرسول للناس كونوا ربانيين ، قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد : أي حكماء علماء حلماء ، وقال الحسن وغير واحد : فقهاء كذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخراساني وعطية العوفي والربيع بن أنس وعن الحسن أيضا : يعني أهل عبادة وأهل تقوى ، وقال الضحاك في قوله : بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ : حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيها تعلمون أي تفهمون معناه ، وقرئ تُعَلِّمُونَ بالتشديد من التعليم وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ تحفظون ألفاظه . ثم قال اللّه تعالى : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أي ولا يأمركم بعبادة أحد غير اللّه : لا نبي مرسل ولا ملك مقرب أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير اللّه ، ومن دعا إلى عبادة غير اللّه فقد دعا إلى الكفر ، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] الآية ، وقال وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [ الزخرف : 45 ] وقال إخبارا عن الملائكة وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 29 ] .